أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
16
عجائب المقدور في نوائب تيمور
الموعد ، يعلم أنه قد فقد ، فتهافتوا هم وخيولهم في ذلك الماء العجاج ، والتيار الزخار والأمواج ، تهافت الفراش على السراج ، ولم يعلم واحد منهم حال الآخر ، ولا اطلع من تقدّم منهم على أمر من تأخر ، وكابدوا أهوال الموت ، وشاهدوا أهوال الفوت ، فنجوا ولم ينقص منهم أحد ، واجتمعوا إلى ذلك الموعد ، وذلك بعد أن أمنت منهم البلاد ، واطمأن في مسالكها كل رائح وغاد ، جعلوا يتجسسون الأخبار ، ويتتبعون الآثار ، ويحاربون اللّه ورسوله ، ويؤذون عباده ويقطعون سبيله ، ولم يزل على ذلك يجري ويمشي ، إلى أن قصد مدينة قرشي « 1 » . ذكر ما له جرى من الخبطة ، في دخوله إلى قرشي وخلاصه من تلك الورطة فقال يوما لأصحابه ، وقد أضر به الدهر واضرى به ، وأخصب منهم ربع الفساد وأعشب : إن بالقرب منا مدينة « نخشب » مدينة أبي تراب النخشبي ، رحمة الله عليه مدينة مصونة ، مسورة مكنونة ، لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهرا وملاذا ، وملجأ ومعاذا ، وإن حاكمها موسى لو حصلناه ، وأخذنا ماله وقتلناه ، لتقوينا بماله من خيول وعده ، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة ، وأنا أعلم لها من ممر الماء دربا ، هين الوصول واسعا رحبا ، فشمروا ذيلهم ، وتركوا في مكان خيلهم ، واستعملوا في نيل مرادهم ليلهم ، ودخلوا حبس المدينة ، وقصدوا بيت الأمير ، ورفعوا أيديهم ، فصادفوا يدهم والحصير ، وكان الأمير في البستان خارج البلد ، فأخذوا ما وجدوا له من أسلحة وعدد ، وركبوا خيله ، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة ، فاجتمع عليهم أهل البلد ، وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد ، فتراكم عليهم البلاء باطنا وظاهرا ، فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا ، فقال له أصحابه ، لقد ألقينا
--> ( 1 ) - هذه هي التسمية المغولية لمدينة نسف ، وقد ورد اسمها عند الجغرافيين العرب أحيانا نخشب ، وقد مرّ بها ابن بطوطة سنة 733 ه / 1333 م ، ووصفها